ابن الأثير

216

الكامل في التاريخ

ذكر بعض سيرة شهاب الدين كان ، رحمه اللَّه ، شجاعا مقداما ، كثير الغزو إلى بلاد الهند ، عادلا في رعيّته ، حسن السيرة فيهم ، حاكما بينهم بما يوجبه الشرع المطهّر ، وكان القاضي بغزنة يحضر داره كلّ أسبوع السبت والأحد والاثنين والثلاثاء ، ويحضر معه أمير حاجب ، وأمير داذ ، وصاحب البريد ، فيحكم القاضي ، وأصحاب السلطان ينفّذون أحكامه على الصغير والكبير ، والشريف والوضيع ، وإن طلب أحد الخصوم الحضور عنده أحضره وسمع كلامه ، وأمضى عليه ، أو له ، حكم الشرع ، فكانت الأمور جارية على أحسن نظام . حكي لي عنه أنّه لقيه صبيّ علويّ ، عمره نحو خمس سنين ، فدعا له ، وقال : لي خمسة أيّام ما أكلت شيئا ، فعاد من الركوب لوقته ، ومعه الصبيّ ، فنزل في داره ، وأطعم العلويّ أطيب الطعام بحضرته ، ثمّ أعطاه مالا ، بعد أن أخضر أباه وسلّمه إليه ، وفرّق في سائر العلويّين مالا عظيما . وحكي عنه أنّ تاجرا من مراغة كان بغزنة ، وله على بعض مماليك شهاب الدين دين مبلغه عشرة آلاف دينار ، فقتل المملوك في حرب كانت له ، فرفع التاجر حاله ، فأمر بأن يقرّ إقطاع المملوك بيد التاجر إلى أن يستوفي دينه ، ففعل ذلك . وحكي عنه أنّه كان يحضر العلماء بحضرته ، فيتكلّمون في المسائل الفقهيّة وغيرها ، وكان فخر الدين الرازيّ يعظ في داره ، فحضر يوما فوعظ ، وقال في آخر كلامه : يا سلطان ، لا سلطانك يبقى ولا تلبيس الرازيّ ، وإنّ مردّنا إلى اللَّه ! فبكى شهاب الدين حتّى رحمه الناس لكثرة بكائه . وكان رقيق القلب ، وكان شافعيّ المذهب مثل أخيه ، قيل : وكان حنفيّا ، واللَّه أعلم .